د. جمال حشمت: مطالبة "الإخوان" بتطبيق الشريعة لم تضعف

د. جمال حشمت: مطالبة "الإخوان" بتطبيق الشريعة لم تضعف

عندما تمكنت جماعة الإخوان المسلمين من الحصول على 88 مقعدا في انتخابات مجلس الشعب المصري عام 2005 تنفس الكثير من الإسلاميين الصعداء مظنة أن يكون ذلك بمثابة فتح جديد ربما يساعد على توسيع دائرة مشاركتهم وانقضاء فترة طويلة من الإقصاء والتهميش فضلا عن إعادة فتح ملفات كثيرة تم إغلاقها طيلة السنوات الأخيرة وفي مقدمتها قضية الشريعة الإسلامية وتطبيقها.


غير أنه وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على هذه الانتخابات لم تتضح الرؤية وظلت على ضبابيتها دون أن يحدث ما كان متوقعا وهو ما دفعنا لإجراء هذا الحوار مع الدكتور جمال حشمت أحد أبرز النواب الإخوانيين السابقين.


* بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على دخول 88 برلمانيا إخوانيا مجلس الشعب ما هو تقييمكم لأداء نواب الإخوان بصفتكم أبرز نواب الإخوان السابقين؟

** في الحقيقة إن تقييم تجربة الـ  88 برلمانيًا من الإخوان تجربة تختلف فيها الآراء بين القريب منهم والبعيد عنهم في ظل حالة من التعتيم الإعلامي بعد انتخابات عام 2005 فأظن أن تقييم البعيد عن نشاط الإخوان سيكون فيه ظلم لأداء الإخوان. الأمر الآخر أننا نعترف بأن الإخوان عندما ترشحوا في انتخابات 2005 لم يكونوا يتوقعوا الفوز بمثل هذا العدد وبالتالي نجح بعض النواب ممن بضاعته السياسية قليلة غير أنه لا يمكن أن ننكر أيضا أنه خلال الثلاث السنوات الفائتة اكتسب الإخوان شيئا من المهارة والحركة وشيئا من الوعي البرلماني وهذا مكسب حقيقي، فأية حياة سياسية متحركة تستطيع أن تخرج كثير من القيادات السياسية خاصة وقد توقف إفراز هذه القيادات لتدخل الحكومة في النقابات والجامعات فخسرت مصر عددا كبيرا من الكوادر من كل التيارات.


لذلك نرى أن كل الذين يقودون التيارات السياسية الآن من طلبة السبعينات الذين كان لهم نشاط طلابي، غير أن هذا الباب قد سد فلم تعد اتحادات طلابية أو نقابات مهنية فبقي العمل البرلماني أو العمل المحلي أو نوادي أعضاء هيئات التدريس مع أنها لم تسلم هي الأخرى من الحرب والمكيدة.


وبالتالي فإن تقييم أداء النواب لابد أن يراعي مثل هذه الاعتبارات، فأنت تعيش في مناخ طارد للعمل ويحاصره بما فيهم النواب، فرأينا كيف تم الاعتداء عليهم وكيف تم حصار مقارهم وكيف تم القبض على مديري مكاتبهم ومع ذلك فإن كل هذا لم يمنع الإخوان من أن يتقدموا بمجموعة استجوابات كانت تهم في الحقيقة الشارع  المصري فقدموا آلاف طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة والأسئلة وهي محط اهتمام الرأي العام، كذلك تواجدوا في دوائرهم بصورة جيدة .. كما كان هناك عدالة في توزيع الخدمات والمكاسب التي تأتي إليهم بصفتهم نوابًا والدليل أنهم أول من بدءوا عمل اقتراع لتوزيع العشر تأشيرات الخاصة بالحج، فعلوا ذلك العام الماضي والعام الذي قبله، أما هذا العام فقد قام بعض نواب الحزب الوطني بتقليد نواب الإخوان ووزعوا التأشيرات - أيا كانت الاختيارات التي تمت صحيحة أو غير صحيحة - لكن الأهم أن تصرف الإخوان أجبرهم على أن يكونوا أكثر إنصافا وأكثر عدالة في توزيع هذه التأشيرات.


أيضا لم يؤخذ على أحد من الإخوان حتى الآن تعيين قريب أو تحقيق مصلحة شخصية بسبب نيابتهم عن الشعب إنما هذا الأمر متواتر عن عدد من أعضاء الحزب الوطني منهم من عين نفسه وأهله كلهم، ومنهم من استفاد ماديا سواء كان بتوكيلات أو إنشاء مصانع لمجازر الدجاج بعد أزمة أنفلونزا الطيور.. الآن يوجد نواب عن الحزب الوطني أخذوا مساحات من الأرض لم يكن يحلم بها أحد وقد انتهت أوراقها في خلال أسابيع قليلة وبصدد بناء المجازر كنوع من الاحتكار، فهناك فوائد شخصية عادت على نواب الحزب الوطني أما نواب الإخوان فكانوا متميزين في الأداء، كانوا متميزين في نظافة اليد والتواجد بين أهل الدوائر.


نستطيع أن نقول إن الناس شعرت بنواب الإخوان بينما الآخرين لم يشعروا بوجود نائب لهم .. أريد أن أقول إن هذا كله انجازات ..والإخوان ينشرون تحليل وإحصاء لما تم وأظن أننا نستطيع وقتها أن نقول ماذا قدم الإخوان.. وإذا كانوا يمثلون الأغلبية فكان من حقهم إسقاط وزارة أو عزل وزير أو تعديل قانون، وإنما لأن عددهم 88 وبالمستقلين والمعارضة لم يتجاوزوا 110 أو 105 نائب فلم يحصلوا على ثلث العدد وبالتالي لا نستطيع أن نعاتبهم على أن قانون لم يصدر أو وزير لم يسقط أو وزارة بقيت رغم فسادها، لأنه ليس في استطاعتهم، وبالتالي لكي أقيم الإخوان لابد أن يكون هذا في حدود الإمكانيات المتاحة لهم فهذه هي إمكانياتهم في العدد والعطاء، فإذا أردنا أن تكون منصفين فلننظر ماذا يستطيعون أن يقدموا؟ والسؤال الأهم قدموه أم لم يقدموه؟  إنما أن نحملهم أكثر من طاقتهم فأظن أن هذا فيه ظلم لهم.  


* نلحظ أنه يغلب على تقييمكم الإشادة بالسلوك الأخلاقي لنواب الإخوان لكنكم لم تتطرقوا إلى الأداء السياسي المنوط به نواب الإخوان داخل البرلمان؟

** الأداء السياسي يعني التواجد وسط الشارع فالسياسي الناجح الذي يستمد شعبيته من الناس هو الذي يعود إلى الناس مرة ثانية وبالتالي كل طلبات الإحاطة والاستجوابات العاجلة تمثل مصالح ملحة للناس فتواجدهم مع الناس أداء سياسي راق واستجواباتهم التي قدمت بأدلتها وبراهينها أداء سياسي أيضا وهي الطلبات والاستجوابات التي برغم قوتها اتخذت منها الحكومة موقفا حيث كانت دائما تنتقل إلى جدول الأعمال.


* يتفق الكثيرون مع قولكم بأن هذا العدد من النواب داخل البرلمان لم ولن يمنع سن بعض القوانين ربما التي تتعارض مع فكر ومنهج الإخوان وبعض التيارات السياسية في الساحة، فهل تستحق عمليات كشف الفساد فقط التي قام بها نواب الإخوان وغيرهم من المستقلين كل هذه التضحيات التي قدمت خلال العملية الانتخابية؟

** إذن البديل أن لا تقدم ويبقى الفساد وينتشر ويبقى له أعوان ولا يكشف عن فضائحه وبالتالي الأمور ستزداد سوءا، فإذا كان مجرد كشف الفضائح له هذا الثمن فأظن أنه يستحق، فأنت الآن تواجه حكومة فاسدة تم تجريسها على الملأ ثم فضحها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، فدخول الإخوان في مطبخ النظام السياسي أفسد عليهم أشياء كثيرة جدا فاضطورا إلى الأداء بالبلطجة أحيانا وبالتعسف أحيانا،  ورئاسة المجلس والوزراء ساعدوا على هذا مما دفع الإخوان انفعالا وغضبا إلى أن يعلقوا وجودهم في بعض الجلسات أو أن يعتصموا في المجلس في بعض الأحيان أو يقفوا في الشوارع في بعض الأحيان إعلانا عن أن هذا المجلس لا يحترم نوابه فهو متجاوز في اللائحة ومتعسف في الأداء ويعطي الأغلبية أكثر من حقوقها، فكيف لم يدخل حتى الآن من المستقلين أية لجنة برلمانية منذ ثلاث سنوات؟


إن في هذا نوع من الاستبعاد .. إذ يوجد 19 لجنة وهذا عدد ضخم ومع ذلك  ليس للإخوان أي مكان سوى أنه تم اختيار أحدهم العام الماضي وهو الدكتور أكرم الشاعر في لجنة الصحة وتم استبعاده في الدورة البرلمانية الثانية...بالتأكيد يوجد تعسف ومزايدة ونوع من الابتزاز للإخوان، فمثلا نرى نوابا يتكلمون بكلام ليس فيه منطق فعندما يتهمون الإخوان بأنهم وراء سفاح المعادي وصخرة الدويقة والتحرش الجنسي ألا يكون ذلك مستوى ضحلاً من هؤلاء النواب الذين يكون أغلبهم إما رجل أعمال أو رجل أمن أو أن يكون "غلبان" تم انتشاله من القاع وقد أسلم إرادته لمن يديره داخل المجلس.


أداء الإخوان أكد أنه من الممكن أن يكون في مصر نواب محترمين، وأداء المستقلين قال نفس الشئ وأداء المعارضة إلى حد ما قال هذا بالمقارنة بنواب الحزب الوطني .. إنما لو ترك الأمر للحزب الوطني وحده .. كيف تتم المقارنة وكيف تتم التصفية والغربلة؟ أنا أظن أن وجود الإخوان حتى لو لم يؤثر تأثيره المطلوب مهم جدا على الرغم من أنه تم تعديل 34 مادة من  الدستور إلى أسوأ تعديل في وجود الإخوان، فقد كان ذلك عوارا مكشوفا حيث وصل الأمر لدرجة أن فتحي سرور أرسل من ينيبه للإخوان خلال اعتصامهم بكافتيريا المجلس ويقول لهم أرجوكم انزلوا للقاعة فوجودكم يعطي للمجلس قيمة .. فهو يريد مناقشة على أعلى مستوى ثم القرار للحزب الوطني، فهذا هو حالة الابتزاز والتهريج الذي يتم في المجلس.


أريد أن أقول إن الكلام الذي يقال ويوضع في المضبطة يفضح النظام ويفضح قوانينه سيئة السمعة، ولولا هذه الفضح ولولا هذا التهييج ما كنا رأينا هذه الحركات التي تتحرك الآن وتطالب بحقها طالما أن هناك فضائح تعلن، وهناك من تجرأ وواجه النظام، هذا الأمر يحسب للإخوان ولغيرهم من المستقلين والشرفاء في مصر الذين وقفوا ضد النظام وبالتالي شجع الآخرين على المطالبة بحقوقهم .. لذلك ما نريده فقط أن يتجرأ الناس في المطالبة بحقوقهم لا نريد أن يطالب أحد بالحريات أو بقضايا عامة، إنما يطالب بمشكلته فقط فلا يترك مشكلته وينيب عنه أحد، فإن لم يكن حريصا على حلها ويكون مستعدا أن يدفع في مقابل الحصول على حقه ثمنا فأظن أن الشعب المصري لن ينال حقوقه أبدا.  


* لكن إذا كان دور نواب الإخوان مقصورا على كشف الفساد ومحاربته والوقوف أمام النظام، فإن الإعلام قام ويقوم بهذا الدور وربما يكون بشكل أفضل مما يقوم به النواب داخل المجلس لأن الإعلام يصل إلى جميع الناس  فلماذا الإشادة بمثل هذا الدور فقط ؟

** الإعلام قاصر في أن يواجه الحكومة وأن ترد عليه الحكومة .. دعنا نقول إن المواجهة إلى حد ما تستفز الحكومة والاستفزاز يوقعها في أخطاء .. إنما مع الصحافة فالأمر مختلف إذ يمكن إلى حد ما أن تتم محاسبة الصحفي أو أن تغلق الصحيفة.. فإذا كانوا يفعلون ذلك مع النواب وهم أصحاب حصانة وقد رأينا كيف خرج نائب وجاء آخر دون انتخابات مثلما حدث في سوهاج، فماذا مع الصحافة؟..الصحافة وسيلة من الوسائل إنما الوسيلة الفعالة التي تتناولها الصحافة بالحديث هي أداء النواب داخل المجلس.


لذلك نقول لكي نقيّم الأداء لابد أن نسأل ما المطلوب من نواب الإخوان ولم يفعلوه؟ هل المطلوب منهم قلب الوزارات وإخراج الفاسدين ومحاكمتهم؟.. هذا ليس في قدرتهم ولا في إمكانياتهم ولا في صلاحيتهم كنواب، فهو كنائب له وسائل رقابية وله بعض الوسائل الخدمية البسيطة - وإن كان هذا هو دور المحليات – كذلك له دور في العملية التشريعية، فقد أضافوا قوانين وناقشوا قوانين بجدية ورفضوا قوانين سيئة السمعة فهذا هو إطار عمل النواب - أي نواب - فما المطلوب ولم يفعلوه؟.


* بعد هذه التجربة البرلمانية غير مسبوقة للإخوان في وجود 88 عضوًا، هل تفكر الجماعة مرة أخرى في خوض هذه العملية الانتخابية في 2010 مرة أخرى؟

** لكل مقام مقال، إنما دعنا نقول لو بقي النظام على هذا الحال فأظن أنه لن يكون هناك انتخابات في مصر، فقد فقدنا الانتخابات على كل المستويات بدءا من الاتحادات الطلابية ومنها المدارس الثانوية وليس الجامعة فقط، ومرورا بنوادي أعضاء هيئات التدريس فنصفها مغلق ونصفها الآخر يتم تزويره، وانتهاءً بالمحليات والشورى ومجلس الشعب ..لم يعد يوجد انتخابات ..ما يتم صورة ينفق عليها الملايين من الجنيهات، فالحكومة تدعو الناس للانتخابات وأداء أمانة الشهادة وينفقون عليها الملايين ثم ينفقون ملايين أخرى لمنعهم من الوصول للانتخابات، فهذا النظام مخبول وفيه خلل في الأداء فهو ضعيف لدرجة أنه صّدر الأمن للتعامل مع كل ملفات الدولة وقد قلت لأحد رجال أمن الدولة.. لو أن النظام أراد أن يلغي عمل كل الوزارات ويبقي على وزارة الداخلية لأدارت الدولة لأن كل وزارة لها مختص.


كذلك لما دخل أصحاب الثروة مع أصحاب السلطة صار الأمر أسوأ وزاد الضعف الذي يعتري الدولة، إنهم أرادوا أن يسيطروا بالتدخل الأمني العنيف غير المسبوق والذي وصل لمراحل يشهد بها العالم فالمصريون يعذبون والدنيا كلها تتفرج عليهم .


* إذن نستطيع أن نقول إن قرار الجماعة بدخول انتخابات 2010 مرهون بطبيعة الحالة السياسية وقتها؟

** بالطبع.. فإذا بقي الحال على ما هو عليه فلن يدخل أحد طالما أن الموظفين يسيطرون على اللجان، وضابط شرطة يدخل يقفل الصناديق، والقضاء ليس له دور بالمرة، والمشرفون العامين على اللجان ليس لهم دور إلا في إسباغ النتيجة بصورة شكلية رسمية شرعية.  


* سيكون الامتناع على الرغم من بقاء الهدف الأسمى لكشف الفساد؟

** البرلمان وسيلة من الوسائل فليس هو الهدف وليس هو الوحيد إنما يوجد وسائل أخرى كثيرة فالإخوان قبل البرلمان وبعد البرلمان متواجدون.


*مقارنة بالسبعينات والثمانيات من القرن الماضي كنا نلحظ اهتماما شديدا من الحركات الإسلامية وفي القلب منها الإخوان بالمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.. لكننا نلحظ أن ثمة تراجعًا في هذه المطالبات .. ما تفسيركم لهذا؟

** لا أريد أن اقول إنه يوجد تراجع لأن الشريعة أصبحت الآن لها مرجعية دستورية فعندما نتحدث عن الدستور وتطبيق المادة الثانية منه فهي تلزم النظام أنه لا يصدر قانون يخالف الشريعة الإسلامية .. تبقى مشكلة التطبيق الفعلي وهؤلاء لا يستطيعون، فالنظام الحالي لا يملك قدرة على الإصلاح إذ ليس لديه إرادة ولو امتلك الإراداة فليست لديه القدرة وبالتالي القضية ما زالت مطروحة حتى الآن لأننا نتعبد إلى الله بتطبيق الشريعة ....وليس تطبيق الشريعة هو الحدود وهذا أمر بسيط إنما تطبيق الشريعة يعني الحريات والكرامة والعزة والعدالة وتداول السلطة فهذا أمر أظنه مطروحًا عند الإخوان إنما ربما الحديث عنه قل لأنهم متواجدون فعليا داخل البرلمان إذ يوجد  أداء فعلي لعدم مخالفة القوانين للشريعة.


* تريدون أن تقولوا إن وجود الإخوان في البرلمان يمثل "فلتر" على كل القوانين التي تتعارض مع الشريعة؟

** يعني .. فوجودهم يمثل إلى حد ما مراجعة وهناك قوانين كثيرة عمل فيها حساب الإسلام وقوانين أخرى بضغوط أجنبية مررت بحكم الأغلبية رغم المعارضة إنما فضحت هذه المخالفات مثل قانون الطفل.


* هل من خطة للنواب الإخوان لتطبيق الشريعة الإسلامية؟

** ما هي فكرة التطبيق .. إنها تعني تقنين القوانين وبالفعل هناك قوانين تم تقنيها ومنها " المدني والمرافعات والعقوبات والبحري ..." كل هذا تم تقنينه ولكنها في أدراج مجلس الشعب غير أن هذا تم إغلاقه ولما بحثنا عن المضابط والقوانين في المجلس لم نجدها إطلاقا لدرجة أني أرسلت للدكتور سرور ورقة أسأله أين هذه القوانين التي تم تقنينها عام 1987م وقد رد بأن القانون تبعث فيه الحياة عندما يعرض مرة ثانية وقد انتهى بانتهاء الدورة البرلمانية .. لكن السؤال أين هي القوانين؟ إنها لا توجد في المجلس، وقد أحضرنا هذه القوانين من بعض اعضاء البرلمان الذين كانوا في برلمان 1987م وأخذنا منها قانون أو اثنين وبدأنا نتقدم بها مثل قانون تجريم وتحريم الخمر والمجلس ارتبك وقتها وقد رمته لجنة الشكاوي للجنة التشريعية فأرسلته للمفتي فأرسله المفتي لشيخ الأزهر فأرسله شيخ الأزهر لمجمع البحوث الإسلامية فأقر المجمع القانون وعاد مرة أخرى للمجلس وكانت قد انتهت السنة البرلمانية .. فأعدنا الطلب في العام الذي يليه فعرض على اللجنة التشريعة واللجنة المناظرة لشئون الأوقاف وتوقف في أدراجها حتى الآن. فأنت تواجه نظامًا لا يريد أن يطبق ولا يريد أن يسمع هو يريد أن يتحلى ويتجمل بالنص الدستوري دون تطبيق فعلي.  


* كما هو معتاد مع كل ما يصدر عن الجماعة أثار حزب الإخوان حالة من الجدل الشديد .. هل كنتم تتوقعون ذلك أم مثل لكم ما حدث صدمة بعد محاولتكم الجادة لطرح برنامج يتوافق مع الحالة السياسية الراهنة؟

** البرنامج كان قراءة أولية ولم يكن الشكل الأخير فالقراءة الأولية كان بها بعض الإشكاليات منها ما تم حله مثل الدعوة لإنشاء هيئة العلماء وهي مثل مجمع البحوث الإسلامية الآن ثم إن هناك الحكم النهائي لهيئة المحكمة الدستورية العليا وإن كان هناك قانون يخالف الشريعة فيمكن الطعن عليه دستوريا.


الأمر الآخر فيما يخص الأقباط والمرأة فهو رأي فقهي راجح وما نستطيع أن نقوله إنه يمكننا أن نفرضه على أنفسنا لكن لا نستطيع أن نفرضه على الشعب وبالتالي نحن في حاجة إلى إعادة صياغة بأنه يسمح لأي فرد أن يتقدم للترشح لموقع الرئاسة بغض النظر عن كونه مسلمًا أو مسيحيًا رجلاً أو امرأة ولكن قناعتنا ورؤيتنا أنه لا يصح لأن هذا الشخص منوط به حماية الدستور وتنفيذه.


* فيما يخص فكرة تأسيس حزب للإخوان ألا تعد الفكرة في ذاتها انقلابا على الفكرة التقليدية للإخوان من رفض الحزبية وهو ما شدد عليه مرار الأستاذ حسن البنا؟

** فكرة الحزب عند البنا كانت مرتبطة بالأحزاب السياسية في مصر في هذا الوقت وقد أعيد طرح الموضوع مرة أخرة في عام 1984 باعتبار أن هذه الأحزاب وسيلة وأن الذي أفسدها هو النظام المتغطرس الذي لايريد أحد بجواره .. كذلك إذا كنت تريد تداول سلطة وتريد الحكم وتريد أن تشارك وتريد أن تعاقب أو أن تحالف،  فالأمور كلها لابد أن تكون في إطار سياسي وحزبي وليس في إطار دعوي، فالرجل الذي يتصدر للوعظ  لا يصلح أن يوضع في نقاط خلاف لأن هذا يحتاج إلى أناس متفقة عليه لكي تسمع كلامه بحالة من الرضا، فلما يوضع في خلاف سياسي واختلاف وجهات نظر دخلنا في أمور تثير خلاف وتفرق أكثر مما تجمع، وبالتالي أظن أن الأستاذ البنا لو كان موجودا الآن لفضل العمل السياسي عن العمل الدعوي،  فأي عمل يحتاج إلى تخصص مع إيماننا بفكرة الشمولية في الإسلام غير أنه لابد أن نؤمن بالتخصص أيضا.


فكانت فكرة عمل حزب سياسي وأن يتخصص البعض في العمل السياسي .. كذلك إذا أنشأنا حزبًا للإخوان فلابد أن يفتح بابه لكل الناس، إذ يمكن أن يتفق مع برنامج الحزب شخص ليس من بين الإخوان فما المانع أن ينتسب إليك ويبقى معك ويبقى التصعيد والعلاقة الحزبية مختلفة عن الشكل الدعوي لأنك تشترط شروط في الدعوة لا يصلح أن تشترطها في الحزب، وبالتالي لو أنك دمجت الحزب والدعوة معا سيكون الأمر قاصر عليك وهذه حالة إقصائية.  


* نعلم أن هناك عدة أوراق لأحزاب إسلامية كالإصلاح والشريعة والعمل والوسط وحزب الاتحاد من أجل الديمقراطية .. ما المميز لحزب الإخوان عن هذه الاحزاب الإسلامية؟

** البرنامج الحزبي رؤية ووجهة نظر، فأنت تجتهد في إطار الثوابت الإسلامية فالاجتهاد يختلف من واحد لآخر لأن كل واحد يرى حل المشكلة بطريقة معينة فليس هناك ما يسمى تمييز هذا عن هذا إنما لكل واحد طريقة وتناول وأنا أظن أن التناول الإسلامي والمرجعية لأي حزب منهم  مرفوض لدى النظام بدليل أن المشكلة ليست مشكلة الإخوان فقط، فالنظام يرفض أي حزب ذي مرجعية إسلامية حتى ينسى الناس هذا الأمر.. فهو ليس تضاد وإنما ربما يكون تكاملاً فلكل واحد رؤية في حل المشكلة بمرجعية إسلامية فالمرجعية ثابتة والقداسة فيها وليست في الاجتهاد فبرنامج الحزب ليس مقدسا ويحتمل الصواب والخطأ ويمكن أن تحذف منه وتضيف إليه.  


* تصاعدت مؤخرا حدة النقد الذي يوجهه شباب الإخوان إلى قياداتهم وسلوكهم السياسي خاصة من يطلق عليهم "المدونون" .. ما مدى صحية هذه الظاهرة مع أن جماعة تقوم بالأساس على السمع والطاعة؟

** أعتبرها ظاهرة صحية فشبابنا الآن بخلاف الفترة الماضية، فالمدونون ظاهرة صحية حيث فرص التواصل أكبر وفرص الانفتاح عن العالم أكبر، فلا يصح أن تقصيه عن الواقع بل هو يحتاج إلى أن ترشده، فما يقوله المدونون ربما لا يقوله غيرهم وربما يشطحوا نتيجة نقص في المعلومات وهذا وارد .. فالمطلوب استيعاب مثل هؤلاء ودعمهم بالمعلومات الصحيحة والاستفادة مما يقال .. ولابد أن يكون هناك حالة من التواصل والحوار الداخلي حتى نصوب الكثير من الأخطاء فلسنا جماعة معصومة من الخطأ وعلينا أن نستفيد من تجاربنا ونصحح تجاربنا ونراجعها فلا مانع أن يقوم الشباب بهذا الدور الآن .. قد تنقصه الخبرة وقد تنقصه المعلومة لكن لا تنقصة الجرأة فنحن نريد أن نرشد هذه الجرأة لمصلحة الوطن ولمصلحة الإسلام ولمصلحة الجماعة.  


* في ظل الوضع السياسي الحالي كيف ترى مستقبل جماعة الإخوان؟

** مستقبل الجماعة طبعا مرهون بعدة أمور أولها المناخ السياسي وثانيها التكوين الداخلي وثالثها المبادئ والمرجعية، أما عن المرجعية فهي ثابتة وأما التكوين الداخلي فلابد من أن يسعى الناس إلى التآلف وتصحيح المسار وأما ما يخص المناخ السياسي فسيظل قائمًا على الاضطهاد وفيه متابعة وحصار ومطاردة، وهذا وارد من أيام الرسول – صلى الله عليه وسلم – فالوضع الجديد ليس أنك تحارب لكن الوضع الجديد أن عندك مشكلة داخلية وليس لديك وضوح رؤية أو أن لا يكون لديك بديل تقدمه، هذا هو الخطر أما خطر الإقصاء فهو وارد في أي لحظة كما أن الاضطهاد يحدث في كل الحالات عملت أو لم تعمل.


أضف إلى ذلك الظرف الإقليمي والظرف الدولي ولذلك الإخوان يتعاطون مع هذا الأمر بواقعية شديدة من غير نرجسية زائدة فعندهم واقعية في الظرف المحلي الداخلي ويدركون العلاقة بين القوى السياسية بعضها مع بعض ومع النظام كما لديهم مراعاة للظرف الإقليمي فيما يخص وجود إسرائيل والشد والجذب والضعف والتكتلات الموجودة ويوجد مراعاة للظرف الدولة بأن العرب في أضعف حالاتهم  وأنهم كلهم توابع، وبالتالي قضايانا الداخلية تتأثر بهذا وقضايانا الإقليمية تتأثر بالوضع الدولي وهذا ما نعاني منه الآن مثل حصار غزة وبيع الغاز وبيع البلد فكل هذا بلا شك يجعل للإخوان وجود ومصداقية لأن عندهم استعداد أن يطرحوا رؤى جديدة ويتواصلوا مع الناس وفي نفس الوقت لا يكونوا نظريين ومثاليين.

إضافة تعليق